محمد بن جرير الطبري
101
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
مسلوخة ، بمعنى : المنزوعة من جلدها المخرجة منه ويعني بالأشهر الحرم : ذا القعدة ، وذا الحجة ، والمحرم ، أو إنما أريد في هذا الموضع انسلاخ المحرم وحده ، لان الأذان كان ببراءة يوم الحج الأكبر ، فمعلوم أنهم لم يكونوا أجلوا الأشهر الحرم كلها وقد دللنا على صحة ذلك فيما مضى . ولكنه لما كان متصلا بالشهرين الآخرين قبله الحرامين وكان هو لهما ثالثا وهي كلها متصل بعضها ببعض ، قيل : فإذا انسلخ الأشهر الحرم . ومعنى الكلام : فإذا انقضت الأشهر الحرم الثلاثة عن الذين لا عهد لهم ، أو عن الذين كان لهم عهد ، فنقضوا عهدهم بمظاهرتهم الأعداء على رسول الله وعلى أصحابه ، أو كان عهدهم إلى أجل غيره معلوم فاقتلوا المشركين يقول : فاقتلوهم حيث وجدتموهم يقول : حيث لقيتوهم من الأرض في الحرم وغير الحرم في الأشهر الحرم وغير الأشهر الحرم . وخذوهم يقول : وأسروهم واحصروهم يقول : وامنعوهم من التصرف في بلاد الاسلام ودخول مكة . واقعدوا لهم كل مرصد يقول : واقعدوا لهم بالطلب لقتلهم أو أسرهم كل مرصد ، يعني : كل طريق ومرقب ، وهو مفعل من قول القائل رصدت فلانا أرصده رصدا ، بمعنى : رقبته . فإن تابوا يقول : فإن رجعوا عما نهاهم عليه من الشرك بالله وجحود نبوة نبيه محمد ( ص ) إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له ، دون الآلهة والأنداد ، والاقرار بنبوة محمد ( ص ) وأقاموا الصلاة يقول : وأدوا ما فرض الله عليهم من الصلاة بحدودها وأعطوا الزكاة التي أوجبها الله عليهم في أموالهم أهلها . فخلوا سبيلهم يقول : فدعوهم يتصرفون في أمصاركم ويدخلون البيت الحرام . إن الله غفور رحيم لمن تاب من عباده ، فأناب إلى طاعته بعد الذي كان عليه من معصيته ، ساتر على ذنبه ، رحيم به أن يعاقبه على ذنوبه السالفة قبل توبته ، بعد التوبة . وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في الذين أجلوا إلى انسلاخ الأشهر الحرم . وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 12793 - حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسدي ، قال : ثنا عبد الله بن موسى ، قال : أخبرنا أبو جعفر الرازي عن الربيع ، عن أنس ، قال : قال رسول الله ( ص ) : من فارق الدنيا على الاخلاص لله وحده وعبادته لا يشرك به شيئا ، فارقها والله عنه راض قال : وقال أنس : هو دين الله الذي جاءت به الرسل ، وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء ، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل الله ، قال الله : فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم قال : توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربهم ، وإقام الصلاة ، وإيتاء